محمد بن جرير الطبري

183

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

موسى وفتاه ؛ يقول الله عز وجل : فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ثم تلا إلى قوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً فلقيا رجلا عالما يقال له الخضر ، فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سمى الخضر خضرا لأنه قعد على فروة بيضاء ، فاهتزت به خضراء " . حدثني العباس بن الوليد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا الأوزاعي ، قال : ثنا الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى ، فقال ابن عباس : هو خضر ، فمر بهما أبي بن كعب ، فدعاه ابن عباس فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه ، فقال سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه ؟ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل جاء رجل فقال : تعلم مكان أحد أعلم منك ؟ قال موسى : لا ، فأوحى الله إلى موسى : بلى عبدنا خضر ، فسأل موسى السبيل إلى لقيه ، فجعل الله له الحوت آية ، وقيل له : إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر ، فقال فتى موسى لموسى : أرأيت إذ آوينا إلى الصخرة ، فإني نسيت الحوت ، قال موسى : ذلك ما كنا نبغ ، فارتدا على آثارهما قصصا ، فوجدا عبدنا خضرا ، وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه " . حدثني محمد بن مرزوق ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا عبد الله بن عمر النميري ، عن يونس بن يزيد ، قال : سمعت الزهري يحدث ، قال : أخبرني عميد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى ، ثم ذكر نحو حديث العباس ، عن أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً يقول تعالى ذكره : قال موسى للعالم : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ من العلم الذي علمك الله ما هو رشاد إلى الحق ، ودليل على هدى ؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يقول تعالى ذكره : قال العالم : إنك لن تطيق الصبر معي ، وذلك أني أعمل بباطن علم علمنيه الله ، ولا علم لك إلا بظاهر من الأمور ، فلا تصبر على ما ترى من الأفعال ، كما ذكرنا من الخبر عن ابن عباس قبل من أنه كان رجلا يعمل على الغيب قد علم ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً . . . أَعْصِي لَكَ أَمْراً يقول عز ذكره مخبرا عن قول العالم لموسى : وكيف تصبر يا موسى على ما ترى مني من الأفعال التي لا علم لك بوجوه صوابها ، وتقيم معي عليها ، وأنت إنما تحكم على صواب المصيب وخطأ المخطئ بالظاهر الذي عندك ، وبمبلغ علمك ، وأفعالي تقع بغير دليل ظاهر لرأي عينك على صوابها ، لأنها تبتدأ لأسباب تحدث آجلة غير عاجلة ، لا علم لك بالحادث عنها ، لأنها غيب ، ولا تحيط بعلم الغيب خبرا يقول علما . قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً على ما أرى منك وإن كان خلافا لما هو عندي صواب وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً يقول : وانتهى إلى ما تأمرني ، وإن لم يكن موافقا هواي . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً يقول تبارك وتعالى : قال العالم لموسى : فإن اتبعتني الآن فلا تسألني عن شيء أعمله مما تستنكره ، فإني قد أعلمتك أني أعمل العمل على الغيب الذي لا تحيط به علما حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً يقول : حتى أحدث أنا لك مما ترى من الأفعال التي أفعلها التي تستنكرها أذكرها لك وأبين لك شأنها ، وأبتدئك الخبر عنها ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً يعني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه . القول في تأويل قوله تعالى : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها